بدأ الكاتب أوستن باي تحليلًا لتداعيات تحركات الحوثيين المدعومين من إيران، بالتزامن مع تقارير إعلامية أفادت بأن السعودية طلبت من مصر الانضمام إلى تحالف يستهدف تدمير القدرات العسكرية للحوثيين واحتواء تهديدهم للمملكة وشبه الجزيرة العربية وخليج عدن والبحر الأحمر.
ويستعرض كرييتورز سنديكيت في التقرير الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لموقع مصر، بدءًا من قناة السويس في الطرف الشمالي للبحر الأحمر، وصولًا إلى مضيق باب المندب في جنوبه، مشيرًا إلى أن أي تهديد للملاحة في المنطقة ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس وعلى أمن التجارة والطاقة.
وتساعد قراءة الخريطة على فهم طبيعة المصالح الأمنية والاقتصادية المطروحة. فأي نقطة اختناق تجارية عالمية حاسمة تقع عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر؟ إنها قناة السويس المصرية، بطبيعة الحال. وفي عام 2023، الذي شهد حركة ملاحية آمنة نسبيًا في البحر الأحمر، حققت مصر نحو 9.5 مليار دولار من رسوم عبور قناة السويس. أما في السنة المالية 2025-2026، التي شهدت حروبًا إقليمية وتهديدات متعددة للملاحة، فتقدر القاهرة إيرادات القناة بما يتراوح بين 4.7 و5 مليارات دولار.
وعند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، بين إفريقيا، ممثلة في جيبوتي وإريتريا، وغرب اليمن، يقع مضيق باب المندب، أو «بوابة الدموع»، وهو ممر مائي ضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن في المحيط الهندي.
ويمثل الطريق الممتد من باب المندب إلى قناة السويس ثم البحر المتوسط أسرع طريق بحري يربط الخليج العربي بأوروبا، فيما تختصر قناة السويس المسافة البحرية بين أوروبا وشرق آسيا.
وفي الأيام التي تكون فيها الملاحة مفتوحة وآمنة وغير معرضة لتهديدات كبيرة، تنقل ناقلات النفط عبر باب المندب نحو 12% من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميًا. وتقدر جهة عاملة في مجال التأمين البحري أن بضائع تتجاوز قيمتها تريليون دولار تمر عبر المضيق سنويًا.
باب المندب.. ورقة إيرانية بيد الحوثيين
بعد هجوم استمر أسبوعين وحقق نجاحًا ضد القوات المدعومة من السعودية والإمارات داخل اليمن وعلى امتداد ساحله المطل على البحر الأحمر، تفاخر الحوثيون بأن مقاتليهم باتوا يسيطرون على الساحل الشرقي لباب المندب. كما أعلنوا السيطرة على جزيرتين داخل المضيق.
وقد يبدو هذا التحرك شبيهًا بمناورة طهران في مضيق هرمز، وهو كذلك بالفعل، وفق الكاتب. ولهذا السبب بدأت إيران، في نحو عامي 2005 و2006، إنفاق مليارات الدولارات لتدريب مقاتلي الحوثيين وتسليحهم.
وأثبت الحوثيون قدرتهم على القتال كمقاتلين في البيئات الصحراوية والجبلية. لكن «قوة القدس»، الذراع الخاصة بالعمليات السرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، رأت أن بإمكانهم أداء أدوار أكبر.
ودرب ضباط قوة القدس مقاتلي الحوثيين على زرع الألغام البحرية، وإطلاق الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة، وتنفيذ هجمات باستخدام «قوارب السرب» في البحر الأحمر. ويرجح الكاتب أن ضباط قوة القدس يسيطرون على أطقم إطلاق الصواريخ.
لكن عندما يهدد قادة الحوثيين بمهاجمة السفن التجارية، ترتفع أسعار التأمين البحري وتقفز أسعار النفط. وتضطر السفن المتوجسة من المخاطر إلى اتخاذ الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني حرمان مصر من رسوم عبور قناة السويس.
واستخدم الحوثيون خلال العقد الأخير أسلحة أكثر تطورًا، بينها صواريخ كروز المضادة للسفن. وفي عام 2018، هاجم الحوثيون الإمارات بطائرات مسيرة بعيدة المدى من طراز «صماد-3». كما أطلقوا صواريخ باليستية متوسطة المدى على إسرائيل. وسقط أحد الصواريخ، بحسب تقارير، في شبه جزيرة سيناء المصرية. ويتساءل الكاتب: هل أصاب الصاروخ هدفه عرضًا، أم حمل رسالة إلى القاهرة؟
ويبدو المنطق الجغرافي والاقتصادي لانضمام مصر، باعتبارها قوة إقليمية، إلى تحالف عربي مناهض للحوثيين مقنعًا.
لكن مصر خاضت حربًا في اليمن وخسرتها بصورة قاسية.
مصر وذاكرة الحرب اليمنية
في عام 1962، تدخلت مصر بقيادة جمال عبد الناصر في إحدى الحروب الأهلية المتكررة في اليمن. ودعم الناصريون الاشتراكيون الحكومة العلمانية للجمهورية العربية اليمنية، التي كانت تخسر معاركها أمام قبائل عربية شيعية ساندت ملكًا يمنيًا سابقًا.
واتخذ تحالف المقاومة الشيعية من شمال اليمن الوعر معقلًا له، وضم قبائل سيظهر بعض مقاتليها لاحقًا في صفوف الحوثيين أو ضمن الحركة الحوثية.
وفي عام 1967، وبعد خسارة نحو عشرة آلاف جندي، انسحبت القاهرة من الحرب التي يطلق عليها البعض الآن اسم الحرب الأهلية في شمال اليمن. واتُهمت حكومة عبد الناصر باستخدام أسلحة كيميائية، بينها الفوسجين وغاز الخردل، ضد رجال القبائل. وخلص محققون إلى وجود أدلة كبيرة على استخدام أسلحة كيميائية في هجومين على الأقل.
ويشير الكاتب إلى مفارقة تاريخية، إذ دعمت الملكيتان السعوديتان والأردنية السنيتان في عام 1962 الملكية اليمنية التي أطيح بها ومقاتليها الشيعة.
وتسبق هذه الأحداث قيام إيران الخمينية، لكن منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1979، عمل النظام الإيراني على مضايقة السعودية وإضعافها عبر مهاجمة المملكة من بوابتها الخلفية في اليمن.
كما سعت إيران الشيعية إلى تقويض الدول العربية السنية في الخليج من خلال دعم ديكتاتورية بشار الأسد الشيعية في سوريا، وإنشاء ما عرف بـ«الهلال الشيعي»، وهو طريق بري تهيمن عليه إيران ويمتد من المجتمعات الشيعية في العراق عبر سوريا وصولًا إلى جنوب لبنان، حيث يتمركز حزب الله.
وكان الهدف المعلن لهذا المشروع هو تطويق إسرائيل وتدميرها، لكن الكاتب يرى أن محاصرة وإسقاط الدول النفطية السنية كانا حاضرين أيضًا ضمن أجندته.
وبعد غزو صدام حسين للكويت عام 1990، أرسلت مصر فرقة عسكرية لدعم السعودية.
وفي عام 2015، انضمت مصر إلى تحالف تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية التي وصفها الكاتب بالعاجزة. وأرسلت ست دول عربية وإسلامية أخرى وحدات عسكرية للمشاركة في التحالف.
لكن الرأي العام المصري اتخذ موقفًا واضحًا؛ فقد أيد المصريون إرسال طائرات وسفن حربية، لكنهم رفضوا إرسال قوات برية. ولم ترغب القاهرة في وضع جنود مصريين على الأرض في اليمن عام 2015.
حسابات القاهرة في 2026
في عام 2026، تفكك «الهلال الشيعي»، وفق رؤية الكاتب. وتحولت سوريا إلى دولة تابعة لتركيا، بينما تخنق إسرائيل حزب الله، وتسيطر البحرية الأميركية على السواحل الإيرانية، ما يجعل قدرة إيران على إعادة إمداد القوات الحوثية محدودة للغاية، في أفضل الأحوال.
ويتساءل باي عما إذا كانت هذه الحسابات الجديدة يمكن أن تغير مواقف صناع القرار المترددين في القاهرة.
ويبقى السؤال الرئيسي: هل تدفع التهديدات التي يفرضها الحوثيون على باب المندب والبحر الأحمر، إلى جانب المصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس، القاهرة إلى الانضمام إلى تحالف تقوده دول عربية ضد الحوثيين؟
فالموقع الجغرافي لمصر يجعل أمن باب المندب مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن قناة السويس، كما أن تراجع حركة الملاحة عبر البحر الأحمر يضغط على أحد أهم مصادر الإيرادات المصرية.
وفي المقابل، تحمل تجربة مصر العسكرية السابقة في اليمن، فضلًا عن موقف الرأي العام المصري من التدخل البري عام 2015، وزنًا كبيرًا في أي حسابات جديدة بشأن إرسال قوات إلى اليمن.
ويبقى القرار مرتبطًا بمدى تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بالبحر الأحمر وباب المندب، وبالطريقة التي تقرأ بها القاهرة التهديد الحوثي ومصالحها المباشرة في أمن الملاحة وقناة السويس.
https://www.creators.com/read/austin-bay/09/26/will-egypt-strike-yemens-houthis

